لولا وجود عكس المعنى لما كان للمعنى معنى
هل شعرت في يوم ما أنّه لايوجد معنى للحياة، وفي يوم آخر شعرت بمعنى حقيقي وحب للحياة؟هل سألت نفسك في يوم ما لماذا نمرض؟ ولماذا نتألم؟هل سألت نفسك لماذا ينجح بعض الناس بينما يفشل البعض الآخر؟لماذا يوجد أناس سعداء وأناس تعساء؟ أناس أصحاء وآخرون معاقون؟لماذا يوجد من يرى وآخر لايرى أو شخص يسمع وآخر لايسمع؟أو شخص أخرس وآخر يتكلم؟
في ذات يوم جاء لزيارتي رجل في الأربعينيات من عمره يدعى مايكل في
مكتبي في مونتريال بكندا, وكان يبدو حزيناً جداً, فسألته عن سبب الزيارة، فقال:
يادكتور لقد قرأت لك كثيراً وأريد أن أعرف منك شخصياً، لماذا توجد المعاناة؟
لماذا بعد خمسة عشر عاماً من العمل بإخلاص أجد نفسي مطروداً بدون
سبب؟ وعندما علمت زوجتي بذلك لم تقف بجانبي ولكنّها بعد شهرين من طردي من عملي
تركتني؟ وفي نفس الوقت يا دكتور دعاني أحد الأقارب لحضور زواجه على زميلته في
الجامعة؟ ثمّ سكت الرجل للحظة وقال والدموع في عينيه: لماذا يا دكتور أنا تعيس
لهذه الدرجة بينما يوجد آخرون في هذه اللحظة سعداء؟!
ثمّ نظر إليّ وقال متسائلاً: لماذا يوجد شخص فقير جداً لا يجد
مايطعم به عائلته وآخر غني جداً يرمي الطعام من كثرته؟ لماذا يوجد العاقل
والمجنون؟ القصير والطويل؟ الأسمر والأبيض؟ الجميل والقبيح؟ والحزين والمبتهج؟
لماذا يوجد النجاح والفشل؟ السعادة والتعاسة؟ الحزن والفرحة؟ المرض
والصحة؟ الفقر والغنى؟ لماذا يوجد النصاب والأمين؟ الكذاب والصادق؟ ثمّ وضع يديه
على وجهه وقال: يا دكتور ابراهيم أنا لا أجد معنى لكل هذا ولا أجد معنى لحياتي!!
بعد أن استمعت جيداً لمايكل وبنيت معه توافقاً تاماً استخدمت معه
ماأسميه بـ "استراتيجية تغيير الإدراك" "وعلاج الذات الشابة"
ثمّ ساعدته أن يصل إلى الاسترخاء الجسماني والذهني والعاطفي حتى شعر براحة كبيرة
وبنظرة أمل إلى المستقبل وهنا سألته: هل ممكن أن نعرف معنى السعادة بدون أن نعرف
معنى التعاسة؟
ففكر مايكل لفترة ثمّ أجاب: لا يادكتور. فاقتربت منه ووضعت يدي على
كتفه وقلت يا مايكل مايحدث لك الآن وتشعر به بقوة سيكون السبب إن شاء الله في
اتزانك وقوتك ومهاراتك في الحياة, ومع مرور الزمن ستنظر وراءك وتقول: لولا ماحدث
لي لما تعلمت ولما أصبحت أفضل في حياتي. نظر لي مايكل بابتسامة وقال: هل ممكن أن
أطلب منك طلباً يا دكتور ابراهيم؟ فأجبته لو كان في استطاعتي أن ألبيه يا مايكل لن
أتردد على الإطلاق. فاقترب مني وقال: أريدك أن تعانقني, فتعانقنا وخرج مايكل من
مكتبي ومعه إدراك شديد وهو: " لولا وجود الآلام لما تعلمنا معنى الراحة ولما
تقدمنا ولما أدركنا معنى السعادة".
الآن فكر معي هل تنتمي إلى قصة هذا الرجل؟
هل سألت نفسك في يوم من الأيام لماذا يوجد كل هذا التناقض في الحياة؟
الإجابة ببساطة شديدة أنّه لولا وجود عكس الشيء لما كان للشيء قيمة
أو معنى, ولما كان هناك عمل حقيقي للعقل التحليلي الذي يدرك ويحلل ويقارن ويقرر،
ولما كانت هناك تجارب وخبرات ومهارات, ولما عرف الإنسان قيمة أو معنى أي شيء, ولما
كان هناك مكان للتقدم والنمو!
لقد خلق الله سبحانه وتعالى لكل شيء عكسه, فخلق الليل والنهار، الصيف
والشتاء، الأنثى والذكر, الطويل والقصير, السعادة والتعاسة، المرض والصحة، الألم
والراحة، وخلق لكل شيء شيئاً مضاداً له في المعنى, وبذلك يعرف الإنسان معنى الشيء
نفسه. فلو كان كل الناس أصحاء لما عرفوا معنى الصحة, لأنّه لا يوجد أمراض، ولو كان
الناس أغنياء لما عرفوا معنى الغنى لأنّه لا يوجد فقر، ولو خلق الله عزوجل الليل
فقط لما عرف الإنسان معنى النهار ولعاش في ظلام تام ولم يكتشف النور ولا يعرف
معناه. فمن هدايا المولى سبحانه وتعالى لنا أن منحنا العقل الذي يفكر ويستدل ويحلل
ويقارن ويتعلم فيعرف ويقترب أكثر من الله – سبحانه وتعالى – وقد
ذكر الله في كتابه العزيز فيي سورة الشرح:
بسم الله الرحمن الرحيم
(فإنّ مع العسر يسراً، إنّ مع العسر يسراً)
صدق الله العظيم
الآن دعني أسألك:
إن لم يكن هناك عسر هل كان من الممكن لنا أن نعرف معنى اليسر؟ وهل
كان للعقل التحليلي أن يستخدم قدرته التحليلية في الإدراك والتحليل والمنطق
والمقارنة؟ وهل كان من الممكن للإنسان أن يتعلم من أخطائه لكي يعرف معنى اليسر
والنجاح والسعادة؟ طبعاً الإجابة على هذه الأسئلة هي ببساطة شديدة: لا!!
وعندنا بحثت في معنى هذه الآية الكريمة وجدت فيها من الثروات فلسفة
العصور التي تعلمتها على مدار السنوات, ووجدت أنّ مع العسر يوجد فوائد عديدة منها
الاقتراب والارتباط أكثر بالله – سبحانهه وتعالى – فتشعر
معه – عزوجل- بالأمان لأنّه وعدك أنّ مع العسر
يسراً ثمّ الصبر على الابتلاءء وهنا بشر الله عزوجل الصابرين ووعدهم بالجنة ثمّ
الحمد والشكر لما أعطاه لك الله سبحانه وتعالىى فنحن نشكر الله فنحمده في السراء
والضراء وبذلك يمحو عنك الخالق أرحم الراحمين البلاء ويرزقك من حيث لاتحتسب ثمّ
التفكير في الحلول لكي تخرج من الأزمة التي تواجهها.
وبذلك يزيد ذكاؤك وانتباهك ومهاراتك وإبداعك في إيجاد الحلول
المناسبة ومع كل ذلك يمحو عنك الله – سبحانه وتعالى – ذنوبك
بسبب هذا البلاء وأخيراً تصل إلى اليسر, أي أنّ في العسر واليسرر خيرات ليس لها
حدود, لذلك يقول الله سبحانه وتعالى في ختام السورة الكريمةك (فإذا فرغتت فانصب,
وإلى ربّك فارغب) أي أنّ الله سبحانه وتعالى يريدك أن تفرغ من كل ذلك وتقف عالياً
وترغب رغبة مشتعلة في الارتباط أكثر مع الله سبحانه باختيارك أنت فتعم عليك البركة
من المعطي الكريم أكرم الأكرمين.
هل ترى روعة العسر وأنّنا بدونه لا نعرف معنى اليسر ولا نجد مع أي
طعم ولا معنى، فلولا وجود العسر لما كان لليسر معنى ولولا وجود اليسر لما كان
للعسر معنى فاليسر والعسر قوتان متداخلتان يكمل كل منهما الآخر ولازمتان للتقدم
والنمو والحقيقة أنّه:
لولا وجود الآلام لما كان للراحة قيمة
لولا وجود الدموع لما كان للابتسامة قيمة
لولا وجود الحزن لما كان للفرحة قيمة
لولا وجود الظلام لما كان للنور قيمة
لولا وجود الجوع لما كان للطعام قيمة
لولا وجود الفشل لما كان للنجاح قيمة
ولولا وجود العسر لما كان لليسر معنى ولا قيمة
لذلك لولا وجود عكس المعنى لما كان للمعنى معنى
فلو كنت تواجه أي تحد من تحديات الحياة فتنفس بعمق ومع الزفير قل:
الحمد لله ثلاث مرات ثمّ ضع ابتسامة على وجهك وأبشر, لأنّ الخير كل الخير في طريقه
إليك إن شاء الله.
وتذكر أن تعيش كل لحظة وكأنّها آخر لحظة في حياتك
عش بحبك لله – سبحانه وتعالى-
وبالتطبع بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم
وبالرسل والأنبياء والصحابة والأولياء الصالحين
عش بالعلم والكفاح، عش بالفعل والالتزام
عش بالصبر والمرونة، وعش بالحب، وقدّر قيمة الحياة
منقول من كتاب د/ ابراهيم الفقي



نشكركم على المجهودالرائع و المعلومات النادرة
ردحذف